عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
461
اللباب في علوم الكتاب
والمراد - واللّه أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك ، وقال اللّه تعالى مخبرا عن إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] ، فدلّ هذا على أنه وصف البيت بالأمن ، فاقتضى جميع الحرم . والسّبب في أنه - تعالى - أطلق لفظ البيت ، وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلّقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت . فصل في تحرير معنى الأمن قوله : « وَأَمْناً » أي : موضع أمن يؤمنون فيه من إيذاء المشركين ، ولا شكّ أن قوله تعالى : « جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً » خبر فتارة يتركه على ظاهره ، ويقول : هو خبر وتارة يصرفه عن ظاهره ، ويقول : هو أمر . أما على الأول فالمراد أنه جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [ العنكبوت : 67 ] وقوله : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ القصص : 57 ] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ؛ لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه . وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال اللّه تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] فأخبر عن وقوع القتل فيه . وإن حملنا الكلام على الأمر فالمعنى : أن اللّه - تعالى - أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع آمنا من الغارة والقتل ، فكان البيت محترما بحكم اللّه تعالى ، وكانت الجاهلية يحرمونه ولا يتعرّضون لأهل « مكة » ، وكانوا يسمون قريشا : أهل اللّه تعظيما له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهمّ بالظّبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب ، فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم فتح « مكة » : « إنّ هذا البلد حرّمه اللّه - تعالى - يوم خلق السّموات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه - تعالى - إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلّا من عرّفها ، ولا يختلى خلاها » فقال العباس رحمه اللّه : يا رسول اللّه إلا الإذخر . فقال : « إلّا الإذخر » « 1 » . فصل في أنه هل يجوز القتال في الحرم ؟ قال الشّافعي رحمه اللّه - تعالى - ورضي عنه : إذا دخل البيت من وجب عليه حدّ فلا تستوف منه ، لكن الإمام يأمر بالتضييق عليه حتى يخرج من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحلّ ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في « صحيحه » رقم ( 986 ) وأحمد ( 1 / 395 ) والبيهقي ( 5 / 195 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 1 / 105 ) .